السيد محمد تقي المدرسي

50

القيادة السياسية في المجتمع الإسلامي

على السؤال الثاني ، فلابد أن نرجع إلى القوانين والأنظمة التي تحدد شكل القيادة . مَنْ يقود مَنْ ؟ المجتمع كجسد الإنسان بحاجة إلى القيادة ، ولكن أي عضو في جسد الإنسان ينبغي أن يقود سائر الأعضاء ؟ هل الرجل أم اليد أم العين ؟ بالطبع العين هي التي تقود الجسم ، وليس للرِّجْل القوية التي يقوم عليها الجسم أن تدّعي قيادته ، لان القيادة ليست للأقوى . والعين كذلك لوحدها لا يمكنها أن تقود الجسم بالصورة الصحيحة من دون وجود العقل ، فالعين قد تخطىء في إعطاء الجسم التفسير الصحيح لما تراه أمامها ، فقد تقول له أن أمامك مستنقع ضحل يمكنك أن تعبره بسهولة ، وإذا هو في الحقيقة لجة عميقة ، وهنا يتدخل العقل ليعطي القرار الصحيح في الوقت المناسب . وهكذا المجتمع الفاضل لا تقوده القوة الكامنة فيه ، ولا يقوده إقتصاده ، ولا يعطي الحق لجماعة أو فئة تقول بأننا نحن الأقوى ، نحن نملك الدبابات ، ونملك أُلوف المسلّحين . المجتمع الفاضل لا يفعل ذلك ، وانما يقول لمراكز القوى في الساحة : إن قوتكم لا تنفع شيئا مالم يوجهها البصر والبصيرة . فلو اشتبك فيل أعمى مع قط بصير في عراك فان الذي سيغلب هو القط بالرغم من ضخامة الفيل . فالقوة بغير البصيرة طاقة عمياء ، والعمى يؤدي إلى الهلاك ، فلابد من العلم لتوجيه القوة ، ولكن العلم وحده لا يكفي أيضاً ، فالمجتمع الفاضل لا يعطي كامل قيادته للعلم ، لأن العلم أشبه شيء بالعين التي قد تضل وتزيغ ، فلو أراد انسان أن يقود نفسه بعلمه ومعارفه فقط ، فسرعان ما سيجد نفسه أمام منعطفات خطيرة ، لان الحياة معقّدة والأسئلة الحائرة فيها أكثر ملايين المرّات من الأسئلة التي أجاب عنها العلم .